مجمع البحوث الاسلامية

498

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إليه من بعيد يطلبه ويدعوه . والحاصل أنّه شبّه آلهتهم حين استكفائهم إيّاهم ما أهمّهم بلسان الاضطرار في عدم الشّعور ، فضلا عن الاستطاعة للاستجابة ، وبقائهم لذلك في الخسار بحال ماء بمرأى من عطشان باسط كفّيه إليه يناديه عبارة وإشارة ، فهو لذلك في زيادة الكباد والبوار . والتّشبيه على هذا من المركّب التّمثيليّ في الأصل أبرز في معرض التّهكّم حيث أثبت أنّهما استجابتان زيادة في التّخسير والتّحسير ، فالاستثناء مفرّغ من أعمّ عامّ المصدر ، كما أشرنا إليه . والظّاهر أنّ « الاستجابة » هناك مصدر من المبنيّ للفاعل ، وهو الّذي يقتضيه الفعل الظّاهر . وجوّز أن يكون من المبنيّ للمفعول ، ويضاف إلى « الباسط » بناء على استلزام المصدر من المبنيّ للفاعل للمصدر من المبنيّ للمفعول وجودا وعدما ، فكأنّه قيل : لا يستجيبون لهم بشيء فلا يستجاب لهم استجابة كائنة كاستجابة من بسط كفّيه إلى الماء . [ ثمّ استشهد بشعر ] وأبو البقاء يجعل « الاستجابة » مصدر المبنيّ للمفعول ، وإضافته إلى ( باسط ) من باب إضافة المصدر إلى مفعوله ، كما في قوله تعالى : لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ فصّلت : 49 ، والفاعل ضمير ( الماء ) على الوجه الثّاني في الموصول . وقد يراد من بسط الكفّين إلى الماء : بسطهما ، أي نشر أصابيعهما ومدّها لشربه ، لا للدّعاء والإشارة إليه ، كما أشرنا إليه فيما تقدّم . وعلى هذا قيل : شبّه الدّاعون لغير اللّه تعالى بمن أراد أن يغرف الماء بيديه فبسطهما ناشرا أصابعه ، في أنّهما لا يحصلان على طائل . وجعل بعضهم وجه الشّبه : قلّة الجدوى ، ولعلّه أراد عدمها ، لكنّه بالغ بذكر القلّة ، وإرادة العدم دلالة على هضم الحقّ وإيثار الصّدق ، ولإشمام طرف من التّهكّم . والتّشبيه على هذا من تشبيه المفرد المقيّد ، كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شيء : هو كالرّاقم على الماء ، فإنّ المشبّه هو السّاعي مقيّدا بكون سعيه كذلك ، والمشبّه به هو الرّاقم مقيّدا بكونه على الماء ، كذلك فيما نحن فيه ، وليس من المركّب العقليّ في شيء على ما توهّم . نعم وجه الشّبه عقليّ اعتباريّ والاستثناء مفرّغ عن أعمّ عامّ الأحوال ، أي لا يستجيب الآلهة لهؤلاء الكفرة الدّاعين إلّا مشبّهين ، أعني الدّاعين بمن بسط كفّيه ولم يقبضهما وأخرجهما كذلك فلم يحصل على شيء ، لأنّ الماء يحصل بالقبض لا بالبسط . وروي عن عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه : أنّ ذلك تشبيه بعطشان على شفير بئر بلارشاء ، ولا يبلغ قعر البئر ولا الماء يرتفع إليه ، وهو راجع إلى الوجه الأوّل وليس مغايرا له ، كما قيل . وعن أبي عبيدة : أنّ ذلك تشبيه بالقابض على الماء في أنّه لا يحصل على شيء ، ثمّ قال : والعرب تضرب المثل في السّاعي فيما لا يدركه بذلك . [ ثمّ استشهد بشعر ] وهو راجع إلى الوجه الثّاني خلا أنّه لا يظهر من ( باسط ) معنى قابض ، فإنّ بسط الكفّ ظاهر في نشر الأصابيع ممدودة . [ ثمّ استشهد بشعر ] وكيفما كان فالمراد ب ( باسط ) شخص باسط ، أيّ شخص كان . وما يقتضيه ظاهر ما روي عن بكير بن